اقتصاد
بورصة مسقط نحو الأسواق الناشئة.. إنجاز اليوم امتداد لجهود سنوات

فايز بن عبدالله البلوشي **
يُمثل إعلان مؤسسة فوتسي راسل (FTSE Russell) إدراج بورصة مسقط ضمن قائمة المُراقبة تمهيدًا لاحتمال ترقيتها إلى فئة الأسواق الناشئة الثانوية، محطة مهمة في مسيرة تطور سوق رأس المال العُماني.
ولمن عايش هذه المسيرة بمراحلها المختلفة، فإنَّ لهذا الإعلان أهمية خاصة تتجاوز مجرد التصنيف الدولي؛ فهذا الاستحقاق لم يكن وليد السنوات الأخيرة، بل سبقته جهود ودراسات ومبادرات امتدت لسنوات، شارك فيها العديد من المختصين والمؤسسات، بهدف الارتقاء بالسوق العُماني إلى مستويات أكثر تقدمًا.
بدأت الحكاية من سوق مسقط للأوراق المالية (سابقًا)؛ حيث كانت متطلبات الارتقاء بتصنيف السوق حاضرة ضمن الدراسات والنقاشات المُتعلقة بتطوير السوق، وتشخيص التحديات والفجوات، والبحث عن الحلول اللازمة لتعزيز كفاءته وجاذبيته للمستثمر.
وفي المراحل اللاحقة وما صاحبها من تحول مؤسسي، ومع إطلاق البرنامج الوطني للاستدامة المالية وتطوير القطاع المالي "استدامة"، اتسع نطاق العمل ليشمل تطوير منظومة القطاع المالي إلى منظور وطني أشمل، من خلال تشخيص التحديات، وصياغة المبادرات والسياسات، ووضع خارطة طريق للتطوير بالتكامل مع المؤسسات المعنية.
وقد أتاحت لي تجربتي المهنية أن أكون جزءًا من هذه المراحل، وأن أشارك مع زملاء وخبرات وطنية في دراسة ومناقشة عدد من التحديات والحلول وقيادة مجموعة من المبادرات التي استهدفت تطوير سوق رأس المال. ومن الجميل اليوم أن نرى الكثير من القضايا التي كانت تُناقش على طاولات العمل قبل سنوات وقد أصبحت ضمن أولويات التطوير، وبدأت نتائج الجهود المؤسسية المتراكمة تتجسد على أرض الواقع.
ولا شك أنَّ الاهتمام السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- بتطوير القطاع المالي وتعزيز دور سوق رأس المال ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040، قد شكّل مرتكزًا مهمًا لدفع مسيرة التطوير، وترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى برامج ومبادرات عملية.
إنَّ ما نشهده اليوم يؤكد أن تطوير الأسواق ليس نتاج قرار منفرد أو مبادرة واحدة، بل ثمرة تراكم المعرفة والخبرات، واستمرارية العمل، وتكامل الأدوار، والقدرة على تحويل الرؤى والدراسات إلى واقع، ولا بد من الإشادة بالدور التكاملي للجهات التي أسهمت في هذه المسيرة، وفي مُقدمتها هيئة الخدمات المالية وجهاز الاستثمار العُماني، ووزارة المالية، والبرنامج الوطني للاستدامة المالية وتطوير القطاع المالي "استدامة"، وشركة مسقط للمقاصة والإيداع، إلى جانب مؤسسات السوق والعاملين فيه، وكل من أسهم في بناء وتطوير هذه المنظومة على امتداد السنوات.
ورغم أنَّ إدراج سلطنة عُمان ضمن قائمة المراقبة لا يعني الترقية النهائية بعد، فإنِّه خطوة مهمة تعكس ما تحقق من تقدم، وتفتح آفاقًا أوسع لتعزيز حضور السوق العُماني لدى المؤسسات الاستثمارية العالمية. ويبقى التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو البناء على هذا التقدم، وتعزيز عمق السوق وسيولته وتنوع أدواته الاستثمارية، بما يضمن استدامة تطوره وتنافسيته.
كل التقدير لمن وضع اللَبِنات الأولى، ولمن واصل البناء عليها، ولمن يقود مسيرة التطوير. فالإنجازات الكبيرة لا تُبنى في يوم، ولا تتحقق بجهود فردية، وإنما تصنعها رؤى تتكامل وجهود تتراكم عبر السنوات.
** مدير عام- شركة جبل لإدارة الأصول

